هشام صالح

صاح هشام البالغ من العمر عشر سنوات بحماس وهو يضغط زر التسجيل في هاتفه المثبت على حامل ثلاثي الأرجل.
وقف هو وشقيقته الصغرى، لميس، جنبًا إلى جنب مع والدهما، يوسف، في خط مستقيم على أرضية غرفة المعيشة، جميعهم يرتدون قمصانًا متطابقة، مستعدين لتحدي "تقدم خطوة".
كان هشام واثقًا من نفسه. هو من شاهد هذا التحدي وأقنع والده بتصويره. في نظره، إنها لعبة ممتعة سيفوز فيها بسهولة.
«السؤال الأول،» قال هشام وهو يقرأ من بطاقة: «تقدم خطوة إذا كان لك غرفة خاصة بك فيها ألعابك وأغراضك وأنت صغير.»
تقدم هشام ولميس خطوة للأمام في آن واحد، كلاهما يبتسمان بثقة. نظر يوسف إليهما وابتسم، لكنه ظل ثابتًا في مكانه.
«تمام، تمام. الجولة الأولى لنا!» أعلنت لميس.
«السؤال الثاني: تقدم خطوة إذا كان أهلك يوصلونك ويعيدونك من المدرسة يوميًا.»
خطوة ثانية لهشام ولميس. يوسف ثابت كالصخرة.
بدأ وجه هشام تتغير ملامحه قليلاً. توقف عن الابتسام، فـالمسافة بدأت تتسع بينه وبين والده.
«السؤال الثالث: تقدم خطوة إذا كان هناك من يدرس لك أو يلقنك الدروس يوميًا.»
خطوة ثالثة. صار هشام ولميس الآن على بُعد أمتار من يوسف، الذي كان ينظر إليهما بعينين تلمعان، لمسة حنين ممزوجة بفخر غامض.
«أبي! لماذا لا تتحرك مطلقًا؟» سألت لميس ببراءة.
ابتسم يوسف: «دوركما يا أبطال. السؤال الرابع.»
التقط هشام البطاقة، وصوته أصبح أقل حماسًا وأكثر جدية: «تقدم خطوة إذا كان كل ما تطلبه يأتيك.»
خطوة رابعة. المسافة أصبحت شاسعة. هشام نظر إلى قدمي والده ، وإلى قدميه في حذائه الرياضي النظيف.
أغمض هشام عينيه للحظة، ثم رفع نظره إلى يوسف. المسافة كانت تحكي قصة صامتة. طفولته هنا، وطفولة والده هناك، في عالم آخر.
«السؤال الأخير،» قال يوسف بصوت خفيض وهادئ، يخترق صمت الغرفة: «تقدم خطوة إذا عملت وأنت صغير لمساعدة أهلك في مصروف البيت.»
في تلك اللحظة، تحرك يوسف.
تقدم خطوة واحدة.
بمجرد أن تحرك، اهتزت الأرض تحت أقدام هشام ولميس. توقف هشام عن التسجيل. لم يعد يرى لعبة ممتعة، بل رأى الحقيقة.
«أبي، أنت... أنت عملت وأنت صغير؟» همس هشام.
كان يوسف الآن على بُعد خطوة واحدة فقط من خط البداية، بينما هشام ولميس يقفان على بُعد خمس خطوات. الخطوة الوحيدة التي خطاها يوسف كانت تحمل وزن مئات الخطوات التي لم تتح له فرصة أن يخطوها في طفولته.
يوسف لم ينظر إلى الأمام، بل نظر إلى المساحة الكبيرة التي تفصله عن أبنائه.
«نعم يا بني. عملت لأنه كان يجب عليّ... ولأنه عندما كبرت، أستطيع أن أقف هنا، ولا أتحرك إلا لهذا السؤال،» قال يوسف، ورفع يده ليشير إلى المساحة بينهما: «وهذه المساحة، هذه المسافة، هي ما صنعته لأجلكما.»
لمعت الدموع في عيني هشام وهو يدرك المعنى.
كل خطوة تقدمها في حياته المريحة اليوم، هي ثمرة كل حرمان وتضحية لم يقدر عليها والده في الماضي.
في تلك اللحظة، لم يعد هشام يريد أن يفوز باللعبة.

ركض نحو والده، وتبعه لميس، ليحضناه بقوة. كانت تلك هي خطوتهم الأهم: خطوة العودة، لتقليل المسافة بين الماضي والحاضر، وللاعتراف بـالدين الكبير الذي سُدد بصمت وعرق وحب من جيل الآباء.

بقلم مجهوا منقول