خادمة ومليارديه


كل ما تبقى من عقدك هنا. تستطيعين المغادرة متى شئت.
تأملت الظرف ولم تمد يدها. كانت تفكر في كم المرات التي حلمت فيها أن تترك هذا المكان أن تنسى وجهه وصوته ورائحته. والآن عندما أصبحت الفرصة أمامها شعرت بأنها عاجزة عن الحركة.
قالت بهدوء متكسر
كنت أظنك لا ټندم.
رد بصوت منخفض
كنت أظن أنني لا أحتاج إلى أحد.
ساد صمت طويل تخلله فقط صوت عقارب الساعة وهي تطرق الجدار بإيقاع رتيب.
قالت لينا أخيرا
أتعرف ما هو الأسوأ يا أدريان ليس أنك أذيتني بل أنك جعلتني أظن للحظة أنك تهتم.
أغمض عينيه وكأن كلماتها طعڼة يعرف أنه يستحقها. ثم قال بهدوء
كنت أظن أنني أستطيع شراء البعد لكن المال لا يشتري الخلاص.
استدارت لتغادر لكن صوته أوقفها
لينا.
التفتت نحوه والدموع تلمع على وجنتيها.
أرجوك فقط قولي إنك ستسامحينني يوما.
هزت رأسها ببطء.
لا أعدك بشيء.
وغادرت المكتب دون أن تلتفت.
في الأيام التالية سادت الشقة سكون غريب. رحل أدريان إلى الخارج كما قال ولم تترك لينا العمل مباشرة. بقيت لبعض الوقت كأنها لا تزال تحاول فهم ما حدث أو لعلها كانت تحتاج هذا الهدوء لتستعيد نفسها.
كانت تنظف مكتبه الفارغ تمر أصابعها على سطح الطاولة حيث كان يجلس تلمح فنجان القهوة الذي تركه كما هو والمقعد الجلدي الذي ما زال يحتفظ برائحته.
شيء ما بداخلها كان يرفض الاعتراف بأنه غادر فعلا.
وفي كل مرة كانت تنظر إلى الباب كانت تتوقع أن يدخل فجأة بعينيه الرماديتين ونظرته الصارمة التي كانت تكرهها يوما وتفتقدها الآن بطريقة لم تفهمها.
مرت أسابيع ثم شهور.
استقرت حالة والدتها وعادت لينا إلى المستشفى كل يوم تقرأ لها بصوت مرتجف قصصا عن الأمل والتعافي. كانت أمها تبتسم أحيانا كأنها تفهم رغم ضعفها.
لكن أكثر ما كان يؤلم لينا هو أنها لم تستطع أن تخبرها بالحقيقة. لم تستطع أن تقول لها الثمن الذي دفعته من أجل إنقاذها. كانت تحتفظ بالأمر في صدرها كچرح لا يلتئم وكلما حاولت نسيانه عاد ېنزف.
ذات مساء بينما كانت ترتب أغراض والدتها وجدت مغلفا صغيرا في الحقيبة التي كان أدريان قد تركها بالمستشفى قبل سفره. فتحته بحذر فوجدت بداخله رسالة قصيرة بخط يده.
إلى لينا
أعرف أن الكلمات لا تمحو ما فعلته لكنها الشيء الوحيد الذي أملكه الآن.
عندما التقيتك كنت أعيش حياة بلا روح بلا صدق. كنت أرى الناس كأرقام وصفقات.
لكنك كنت مختلفة. جعلتني أرى العالم بطريقة لم أجرؤ على تخيلها.
إن كنت تكرهينني فأنا أستحق ذلك.
وإن احتجت يوما لمساعدة أرسلي هذه الورقة إلى مكتبي الجديد وسيصلك ما تطلبين دون سؤال.
أدريان.
سقطت الورقة من يدها وبقيت تحدق بها طويلا.
كانت تريد أن تمزقها أن تتخلص من كل أثر له لكنها لم تستطع. وضعتها في درج صغير بجانب سرير والدتها وأغلقت عليه كأنه سر لا يقال.
بعد عام كامل في صباح رمادي تملأه
 

رائحة المطر سمعت لينا طرقا خاڤتا على باب شقتها الصغيرة.
فتحت الباب لتجده واقفا هناك أنحف قليلا أكثر شحوبا لكن عينيه كانتا تحملان شيئا جديدا الندم والرجاء.
قال بهدوء
مر وقت طويل.
همست
لم أظن أنك ستعود.
ابتسم ابتسامة خفيفة لا تخلو من الحزن.
لم أظن أنني سأغادر ثم أكتشف أنني تركت قلبي هنا.
لم تقل شيئا. فقط وقفت تنظر إليه مترددة بين الماضي الذي كسرها والحاضر الذي جاء ليعيد بناءها.
قال أخيرا
أعلم أن الغفران لا يطلب بل يمنح لكني جئت لأحاول.
سكتت لينا طويلا ثم قالت بصوت خاڤت
الغفران ليس سهلا يا أدريان لكنه ليس مستحيلا.
في تلك اللحظة لم يكن هناك وعد ولا نهاية سعيدة. فقط نظرتان طويلتان تملؤهما بقايا الألم وبذور بداية جديدة بداية لم يكن أحد منهما متأكدا إن كانت تستحق المخاطرة لكنها كانت على الأقل صادقة.
وبينما أغلق المطر نافذة الغرفة كأن السماء تغسل كل ما مضى جلست لينا تحدق في الفراغ وتهمس لنفسها
ربما بعض الجراح لا تشفى بالزمن بل بالصدق. وربما الحب الحقيقي ليس منقذا بل اعترافا متأخرا أننا كنا بحاجة لبعضنا منذ البداية.