يحكى عن رجل بسيط وفقير


للمرة الثالثة. حاولت منعه وهي تقول ستندم! لكنه أجابها بأنه لن يتكلم مهما حدث. عانقته وقبلته وقلبها يخبرها أنه لن يعود.
سار هشام في أنحاء المدينة مستمتعا وفي كل مرة كان يهم بالكلام كان يتذكر الشرط المحرم. قادته قدماه ناحية البحر الذي لم يكن يعلم بوجوده. فوجد على الشاطئ سفينة ضخمة وحشدا غفيرا من الناس يصطفون على جانبيها. كل منهم يشد السفينة نحو جهته بكل قوته لكن السفينة ثابتة على الشاطئ لا تتحرك.
كاد أن يبتعد صامتا لكنه لم يستطع. نسي وعده لزهرة وهتف يا قوم! يجب أن تتعاونوا جميعا! لنجتمع في ناحية واحدة ونحاول بكل قوتنا شدها معا! لم يلتفت إليه أحد.
عندما أتم كلامه أحس بالندم ولوم النفس. تملكه حزن عظيم. جرى مسرعا إلى بيته وهو ينوي الاعتذار لكنه حين وصل لم يجد البيت ولا زهرة.
أسرع إلى كبير المدينة يستنجد به فأخبره الكبير بأنه طلق زوجته وأنه لم يستطع الحفاظ على عهده وهذا هو شرط البقاء معهم. ظل هشام يقسم أنه أراد إسداء النصح فقط ولم يتدخل في شؤون أحد.
قال الكبير لا فائدة. أمر الله نفذ وانتهى النصيب.
بهت هشام لكنه طالب بالفهم. ذكره الكبير بالمرات التي خرج فيها
في جولتك الأولى وجدت الشيخ يأكل من الشجرة ونصحته أن يقطع الغصن بأكمله. أشفقت عليه من الشقاء فما الخطأ يا سيدي تساءل هشام.
أجاب الكبير بهدوء إنه ملك المۏت. والورقة التي يأكلها هي روح فاضت لخالقها سواء كانت خضراء صغيرة السن أو صفراء بلغت آخر العمر. وأنت تدخلت في أقدار الناس وكنت تريده أن يقطع غصنا مليئا بأرواح البشر جملة واحدة.
شعر هشام بالخيبة والإحراج من نصيحته التي جاءت من غير علم.
والطلاق الثاني كيف وقع سأل هشام.
قال له الكبير الرجل الذي كان يقف على البئر يوزع الماء هو قاسم الأرزاق. فهناك من يملأ له نصف الدلو ومن يملأه كاملا ومن ليس له رزق. فكيف تتدخل في أرزاق الناس أسقط في يد هشام ولم يجد ما يقوله.
واصل الكبير توبيخه واليوم! ألم تجد غير السفينة لتتدخل في شؤونهم زعمت أنك صادق النصح وأنهم يضيعون جهودهم!
قال الكبير متحسرا على جهل هشام يا مسكين! السفينة هي الدنيا! وكل من هؤلاء الناس يحاول أن يجذبها لنفسه ويتخيل أنها ستأتي ناحيته. لكنها ثابتة لا تذهب لأحد. سيظلون يحاولون يبذلون الجهد المضني ليحققوا شيئا من الدنيا. هذه هي الدنيا وأنت لم تستطع أن تفهمها أو تفهم ناسها. والآن قضي الأمر.
وضع هشام رأسه بين يديه وبكى على فقد زهرة. وعندما رفع رأسه ونظر حوله وجد نفسه من جديد في الجبل مع الناس الذين يولولون ويندبون حظهم. بكى هشام مثلهم ويتمتم مثلهم يا ريت اللي جرى ما كان.